هل تستفاد حملة مكافحة الفساد في العراق من التجارب الروسية؟

نشر في: 6 يوليو, 2026: 12:08 ص
شهدت الآونة الأخيرة تحولاً ملحوظا في مسار جهود الحكومة العراقية نحو تفكيك بعض اركان «الدولة العميقة» ومواجهة حيتان الفساد في «المنطقة الخضراء» ومؤسسات النفط، ولن تكون الحملة ناجعة اذا لم تتصف بالانتقال من مرحلة الحملات المؤقتة التي مارستها الحكومات السابقة، إلى مرحلة الردع المستدام وتعيد النظر جذريا في العملية السياسية ،وان تطول كل من تلوثت يده بالفساد بغض النظر عن موقعه، ورفع جميع الحصانات.
ومن المفيد الاستفادة من تجارب الدول التي قامت بخطوات ناجعة اذا ليس بالقضاء التام فعلى الأقل التصدي له ووضع العراقيل القانونية والاجرءات السياسية لمواصاة مكافحته ومن ذمن تلك الدول كانت روسيا الاتحادية في الرقمنة الشاملة للمشتريات الحكومية وتطبيق قانون «عكس عبء الإثبات» ومصادرة الثراء غير المشروع، والتي تُوجت بأحكام قضائية صارمة ضد كبار قادة النخبة العسكرية ومسؤولي الأقاليم. كما تُسلط المقالة الضوء على الركيزة الأساسية لإنجاح هذه الأدوات التقنية في البيئة المحلية، والمتمثلة في حتمية إجراء إصلاح جذري وشامل للعملية السياسية في العراق لتفكيك نظام المحاصصة وضمان استقلالية الأجهزة الرقابية، وصولاً إلى طرح مسودة تشريعية متكاملة لتعديل قانون هيئة النزاهة رقم 30 لسنة 2011 المدعومة بالأسباب الموجبة لتقديمها إلى البرلمان العراقي، بهدف المزاوجة بين تكنولوجيا الرقابة الدولية والإصلاح السياسي المحلي لبناء دولة المؤسسات المستقرة.
إن قيادة الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي شرعت بحملة غير تفكيك شبكات الفساد المالي الإداري التي نهشت جسد الدولة لعقود، وحوّلت المداهمات والاعتقالات التي تنفذها الأجهزة الأمنية الخاصة في أزقة “المنطقة الخضراء” ببغداد وفي أروقة مؤسسات النفط الحيوية إلى مواجهة مفتوحة وضارية مع قلاع الدولة العميقة، أسفرت عن الإطاحة بنواب حاليين وتجريد قيادات نافذة من أصول عقارية ومليارية تم ضبطها نقداً. ومع ذلك، تواجه هذه الحملة تحدياً بنيوياً هائلاً يتمثل في كيفية تحويل هذه الهبّة السياسية والأحكام القضائية الفورية إلى منظومة مؤسسية مستدامة تمنع إعادة إنتاج الفساد، وهو ما يتطلب استقراء التجارب الدولية التي زاوجت بين الرقمنة الشاملة والقبضة القانونية الحديدية، وفي مقدمتها تجربة روسيا الاتحادية، مع الإدراك التام بأن نجاح أي أدوات مستوردة يظل مشروطاً بإصلاح الداخل السياسي أولاً وتحصينه تشريعياً وسد الثغرات القانونية القائمة.
إن نظرة فاحصة على المنظومة الروسية تكشف عن استراتيجية وطنية مضادة للفساد ترتكز على تقليل العنصر البشري وتوسيع نطاق الملاحقة المالية، حيث شكل نقل المعاملات والرخص والشهادات إلى الفضاء الرقمي عبر منصة الخدمات الإلكترونية الحكومية ضربة قاضية للفساد الروتيني اليومي من خلال إلغاء الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف البيروقراطي، بالتوازي مع نظام المعلوماتي الموحد للمشتريات الحكومية الروسي الذي يتيح شفافية مطلقة لإنفاق الوزارات والشركات المملوكة للدولة ويكشف تلقائياً التواطؤ الاحتكاري وتضخيم الأسعار قبل صرف الأموال. ولم يتوقف المشرع الروسي عند هذا حد، بل صاغ عقيدة فقدان الثقة ومراقبة نفقات العائلة بموجب القانون الصارم رقم 273-ФЗ، والذي يلزم المسؤول بالإفصاح عن النفقات الكبرى لعائلته من الدرجة الأولى، فإذا ثبت أن قيمة المشتريات العقارية أو المنقولة تتجاوز الدخل الشرعي للمسؤول لثلاث سنوات سابقة، يتم مصادرتها فوراً لصالح الخزينة العامة عبر القضاء، فضلاً عن الفصل الفوري للمسؤول تحت بند فقدان الثقة في حال إخفاء حسابات خارجية، مع إدراج اسمه في سجل وطني علني يمنعه من الوظيفة العامة مدى الحياة.
ولا تتحرك هذه القوانين في فضاء نظري، بل تستند إلى تطبيق قضائي صارم طال أعلى الهرم القيادي، وهو ما تجسد في الحملة الكبرى لتطهير جنرالات النخبة وحصانة المؤسسة العسكرية داخل وزارة الدفاع الروسية، والتي توجت بصدور حكم قضائي تاريخي وبات بحق نائب وزير الدفاع السابق الجنرال بافل بوبوف يقضي بسجنه 19 عاماً لإدانته باختلاس مواد بناء مخصصة لمشاريع عسكرية وتوظيفها لبناء قصره الشخصي، وذلك بعد ملاحقة نائب وزير الدفاع الأسبق تيمور إيفانوف وقادة آخرين مثل الجنرال فاديم شامارين واللواء يوري كوزنيتسوف، مما أسفر إجمالاً عن استرداد ومصادرة أصول ومنتجات غير مشروعة تجاوزت قيمتها 760 مليار روبل، إلى جانب ملاحقة الفساد الرقمي والإطاحة بضباط رفيعي المستوى بتهمة تقاضي رشاوي عبر العملات المشفرة بقيمة 7.3 مليار روبل، بالإضافة إلى تفكيك الإقطاعيات الإقليمية ومحاكمة محافظي الأقاليم البعيدة مثل ساخالين وخاباروفسك لإرسال رسالة واضحة بأن يد المركز قادرة على الوصول إلى الصناديق السوداء في أي بقعة جغرافية.
بالمقابل، فإن استيراد هذه الآليات الرقمية والتشريعية المجرّبة دولياً سيبقى حبراً على ورق في العراق ما لم يرافقه إصلاح جذري وشامل للعملية السياسية؛ فالفساد في البيئة العراقية ليس مجرد سلوك فردي لمنحرفين بل هو نتاج هيكلي لنظام المحاصصة الطائفية والحزبية الذي حوّل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات تابعة لجهات سياسية محددة تمنح حيتان الفساد غطاءً سياسياً وحصانة واقعية تحميهم من المساءلة عبر التهديد بالسلاح المنفلت أو النفوذ الحزبي لتعطيل التحقيقات، مما يفرض حتمية فك الارتباط بين الوظيفة العامة والولاء الحزبي وتحرير الأجهزة القضائية والرقابية مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية من المحاصصة السياسية وضمان استقلاليتها الكاملة، لكي لا تتحول الأنظمة الرقمية والقوانين الرادعة إلى أدوات تُستخدم بشكل انتقائي في الصراعات السياسية وتفقد الحملة جوهرها الإصلاحي لتصبح مجرد تصفية حسابات مؤقتة.
ومن أجل ترجمة هذا التكامل بين التجربة الدولية والواقع المحلي، تبرز الحاجة الملحة لطرح مسودة مقترح تعديل قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم 30 لسنة 2011 المعدل أمام مجلس النواب، بحيث تشتمل المادة الأولى منه على إلزامية التوأمة الرقمية الفورية عبر منصة ربط رقمي موحد بين كافة الوزارات وهيئة النزاهة والبنك المركزي، ونقل المناقصات الحكومية إلى نظام رقمي عراقي موحد للمشتريات العامة يحاكي النظام الروسي المؤتمت لقطع دابر الرشوة، وتلتزم بموجبه دوائر التسجيل العقاري والمرور برفع تحديثات لحظية لحركات نقل الملكية الخاصة بالمسؤولين وعوائلهم. كما تتضمن المادة الثانية إرساء عقيدة عكس عبء الإثبات في الثراء غير المشروع، بحيث إذا رصدت المنظومة الرقمية زيادة مصروفات المكلف أو عائلته عن دخله الشرعي لثلاث سنوات سابقة، ينتقل عبء الإثبات قانوناً إلى عاتقه ليقدم مستندات تبرر هذه الزيادة خلال ثلاثين يوماً، وفي حال عجزه تحيل الهيئة الملف للمحكمة لإصدار قرار بالمصادرة المدنية الفورية للأصول لصالح خزينة الدولة دون انتظار مسارات التقاضي الجنائية الطويلة. وتقضي المادة الثالثة بالفصل الوجوبي بـفقدان الثقة والعزل الفوري من الوظيفة لكل مسؤول يخفي حسابات أو أصولاً مع إدراج اسمه في سجل علني للمطرودين يحظر تسنمه أي منصب مدى الحياة ولا تشمله قوانين العفو، في حين تركز المادة الرابعة على الحصانة المؤسسية والأمنية عبر ربط دائرة التحقيقات ومحاكم النزاهة بمظلة حماية دستورية عليا تابعة لرئاسة مجلس القضاء الأعلى مباشرة، واستحداث قوة إنفاذ القانون الرقابي التابعة لرئيس الهيئة لتأمين الحماية الجسدية للمحققين والقضاة وتنفيذ أوامر القبض دون خطوط حمراء.