شارع بغداد في العمارة.. ذاكرة المواكب الحسينية ومسرح العزاء القديم

منذ الأيام الأولى لحلول شهر محرم الحرام، تشهد مدينة العمارة إقامة مراسيم العزاء العاشورائي في مختلف مناطقها، غير أن أماكن محددة تبرز خلال هذه المناسبة لما تحمله من مكانة راسخة في ذاكرة أبناء المدينة، وما تحتفظ به من خصوصية تمتد لعقود طويلة، وفي مقدمتها شارع بغداد.
يبدو الشارع نهارا عاديا كبقية شوارع المدينة، لكنه بحكم موقعه المميز تحول إلى واحد من أكثر شوارع العمارة حركة وزحاما، إذ يعد مركزا للمدينة ورابطا بين أحيائها الشعبية القديمة، فضلا عن كونه شارعا تجاريا اتخذه كثير من تجار المدينة موقعا لأعمالهم. أما ليلا، فيتبدل المشهد تماما، ويتحول الشارع إلى ممر لدخول مواكب العزاء الحسيني المتجهة إلى أحد أقدم جوامع المدينة وأشهرها، الواقع في منتصف الشارع. وعن تاريخ الشارع ومكانته في نفوس أبناء المدينة، يقول الباحث الميساني د. كاظم الغزي لـ«المدى» إن «تأسيس الشارع يعود إلى العهد الملكي، وتحديدا إلى ثلاثينيات القرن الماضي، ويعد من أقدم الشوارع الحضرية في المحافظة، واكتسب تسميته الشهيرة من مرآب قديم كان يستخدم لنقل المسافرين إلى العاصمة بغداد، وكان يقع بمحاذاة نهر دجلة قبل أن يزال مطلع السبعينيات، لكنه ترك اسمه خالدا ليطلق على الشارع».
ويضيف الغزي أن «طول الشارع يبلغ قرابة كيلومترين، ويضم عددا من المعالم التجارية والثقافية التي شكلت ذاكرة المدينة لسنوات طويلة، فضلا عن أحد أبرز معالمه الدينية والمعمارية، وهو جامع الأنصاري الشهير، الذي يعد رمزا إسلاميا قديما».
وارتبط اسم شارع بغداد بشهر محرم وموسم العزاء العاشورائي، بوصفه شارعا واسعا وممتدا بين أعرق وأقدم أحياء ومحلات المدينة، ما جعله مسرحا لانطلاق مواكب التعزية. وفي هذا السياق، يقول المهتم بالشأن المحلي أحمد كاظم لـ«المدى» إن «شارع بغداد، المعروف بين أبناء المحافظة بصورة عامة بأنه مهد المواكب الحسينية، شهد انطلاق أولى المواكب في مدينة العمارة بحسب ما ترويه وتؤكده ذاكرة المدينة، وهو قاسم مشترك بين أقدم وأكبر محلاتها، كما أن وجود جامع الأنصاري، بما يمثله من حضور روحي كبير، جعله مسرحا لدخول المواكب وغايتها المسجد».
ويشير كاظم إلى أن «من المواكب القديمة التي لا تزال تحافظ على استمراريتها موكب القصابين، وموكب الحدادين، وموكب الدبيسات، وموكب السراي، وموكب بني كعب، وموكب بني لام، وغيرها من المواكب العريقة التي برز فيها كثير من الرواديد والشعراء». ويحرص أبناء مدينة العمارة على إبقاء هذا الإرث وتجديده، اعتزازا بتاريخهم المحلي، إذ يتحول الشارع خلال موسم محرم إلى مسرح مضاء بأنواع المصابيح، ولافتات ولوحات التعزية المختلفة. ويقول المواطن صباح رحيم لـ«المدى» إن «أصحاب المحال وأعضاء الهيئات المسؤولة عن المواكب، ما إن يقترب شهر محرم، حتى يبدأوا بتزيين الشارع، وتعليق اللافتات واللوحات، وتجهيز المواكب الخدمية، ليكون جاهزا لاستقبال مواكب العزاء، التي كانت تستخدم سابقا المشاعل للإضاءة، قبل الانتقال إلى استخدام المواد الكهربائية».
ويؤكد رحيم أن «أبناء المدينة، خصوصا أبناء الأحياء الشعبية القديمة مثل السرية والسراي والمحمودية والجديدة والدبيسات، يعتزون بالحفاظ على إرثهم، رغم انتشار هيئات أخرى عديدة في مركز المدينة، خصصت لتنظيم واستقبال مواكب التعزية في المناطق والأحياء الأخرى».
وبحسب مصادر مطلعة في الحكومة المحلية بمحافظة ميسان، فإن أكثر من ألفي موكب حسيني من عموم المحافظة شاركت فعليا هذا العام في إحياء ذكرى عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين (ع).
ويرى ناشطون ميسانيون أن وجود أماكن ذات خصوصية في وجدان المجتمع الميساني، ولا سيما الأماكن القديمة، يمثل حالة «إيجابية وصحية»، لأنها تربط أبناء الجيل الحالي والأجيال اللاحقة بتاريخ مدينتهم، وتحافظ على إرث الآباء والأجداد. وفي هذا الإطار، يقول الناشط منذر نعيم لـ«المدى» إن «شارع بغداد ليس شارعا عاديا أو مكانا كبقية الأمكنة، بل مركز ذو قيمة ومكانة كبيرة في نفوس أبناء مدينة العمارة، كونه حيا يتنفس، وكان ولا يزال شاهدا على مدى عقود من الزمن على مختلف محطات المدينة، ومنها مواكب العزاء الحسيني، واهتمام أبناء المدينة بإبقاء هذا الإرث والحفاظ عليه يمثل رسالة إلى الأجيال اللاحقة من أجل صون إرثهم الكبير».
ويضيف نعيم أن «شارع بغداد شاهد حي على تعددية أبناء المدينة بمذاهبهم وأديانهم المختلفة، الذين يواظبون على الحضور إليه لرؤية المعزين وأصحاب المواكب ومشاركتهم، وهذا لا يستطيع أحد إنكاره».
وعلى الرغم من وجود عشرات الهيئات والروابط المسؤولة عن تنظيم حركة مواكب التعزية الحسينية، يحتفظ شارع بغداد بخصوصية في نفوس أبناء العمارة، بوصفه تعبيرا عن انتماء المدينة وذاكرتها، وحاملا لعبق أجدادها وآبائها، فيما يمثل إحياء دوره سنويا استعادة رمزية لذكرى الماضين من أبنائها.