الدرجات الخاصة في العراق.. نفوذ الأحزاب يواجه اختبار «الكفاءة والنزاهة»

تعود قضية «الدرجات الخاصة» في العراق إلى واجهة الجدل السياسي والإداري، بوصفها من أكثر الملفات ارتباطا بتوازنات النفوذ داخل مؤسسات الدولة، في وقت تؤكد فيه حكومة علي الزيدي أن أولويتها ترسيخ معايير الكفاءة والنزاهة بعيدا عن المحاصصة السياسية، مقابل تشكيك خبراء بإمكانية فك الارتباط بين التعيين والاصطفافات الحزبية المتجذرة منذ عام 2003.
ويأتي هذا النقاش مع استمرار النظر إلى ملف الدرجات الخاصة باعتباره أحد أعمدة إدارة الدولة العراقية، إذ تشمل هذه الدرجات مناصب قيادية في الوزارات والهيئات والبعثات الدبلوماسية، وتعد محورا لتنافس سياسي مستمر بين القوى الفاعلة.
ويقول المتحدث باسم مجلس الخدمة العامة الاتحادي في العراق، فاضل الغراوي، إن الحكومة «حريصة على اختيار شاغلي الدرجات الخاصة وفق معايير مهنية ووطنية بعيدا عن المحاصصة السياسية»، وبما ينسجم مع توجهات إصلاح الإدارة العامة.
ويوضح الغراوي، في تصريحات صحفية، أن معايير الاختيار تعتمد على مجموعة من الأسس، بينها الكفاءة المهنية، والنزاهة، وحسن السيرة والسلوك، والخبرة التخصصية والإدارية، والمؤهل العلمي الملائم، والقدرة على القيادة واتخاذ القرار، والاستقلالية والحياد، وإدارة الموارد بكفاءة، وامتلاك رؤية تطويرية للمؤسسة، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات السياسية والشخصية.
ويضيف أن اعتماد هذه المعايير يعكس، بحسب قوله، «توجها حكوميا لترسيخ مبدأ اختيار الأكفأ، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات، ورفع كفاءة الأداء العام».
في المقابل، يرى باحثون في الشأن السياسي أن إشكالية التعيين في الدرجات الخاصة لا يمكن فصلها عن البنية السياسية التي تأسست بعد عام 2003.
ويقول الباحث في الشأن السياسي مهند الراوي إن «التحكم بآليات اختيار موظفي الدولة والمناصب الحساسة ليس وليد هذه الحكومة، بل بدأ مع تشكيل مجلس الحكم بعد 2003 على أساس المحاصصة الطائفية، وليس على أساس الكفاءة».
ويضيف الراوي، أن الدستور العراقي وما تبعه من ترتيبات سياسية «كرسا هذه المعادلة»، مشيرا إلى أن «ملامح المحاصصة ما زالت قائمة رغم مرور أكثر من عقدين».
وبحسب الراوي، فإن عمليات مكافحة الفساد تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في الابتزاز والرشوة واختلاس المال العام، فضلا عن إسناد مناصب إلى أشخاص غير مؤهلين، معتبرا أن هذه الحلقة ما تزال تعيق بناء إدارة دولة مستقلة.
ويشير إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي يواجه «ضغوطا سياسية مستمرة» رغم محاولاته، على حد قوله، لتقليل تأثير القوى الحزبية، لافتا إلى أن نجاح الإصلاح يتطلب تحرير القرار الإداري من التوازنات السياسية.
ويرى الراوي أن المرحلة الحالية قد تمثل «فرصة مهمة» للحكومة، في ظل وجود دعم دولي وإقليمي وتفاعل شعبي متصاعد مع ملفات مكافحة الفساد، معتبرا أن استمرار النهج الحالي «سيبقي الدولة ضمن الدائرة ذاتها من التعثر المؤسسي».
من جانبه، يقول الباحث في الشأن السياسي سامي سلام إن استمرار ملف الدرجات الخاصة من دون حسم يعكس حجم التعقيد في التوازنات السياسية داخل الدولة.
ويوضح سلام، أن «وجود وزارات لم تحسم فيها التعيينات حتى الآن بسبب عدم الاتفاق على المرشحين يعكس عمق الأزمة، وهو أمر غير مسبوق منذ 2003».
ويشير إلى أن الحملات الأخيرة لمكافحة الفساد، التي شملت اعتقالات وعمليات ضبط بحق مسؤولين سابقين وحاليين، «أحدثت تحولا في قواعد اللعبة السياسية»، مضيفا أنها «أربكت شبكات النفوذ المرتبطة بالمناصب العليا».
ويضيف سلام أن الحكومة الحالية، بحسب وصفه، «تسعى إلى تقليص تدخل القوى السياسية في التعيينات»، لافتا إلى توجه رسمي نحو تثبيت قاعدة التدرج الوظيفي ومنع التغيير العشوائي في المناصب الحساسة خلال هذه المرحلة.
ويعتبر سلام أن الإجراءات الأخيرة لمكافحة الفساد «تعزز مسار الشفافية»، وتمثل، على حد قوله، «بداية إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والأحزاب».